وهبة الزحيلي
33
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لما بعثني النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم عام ذات السلاسل ، احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكرت ذلك له ، فقال : يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ قلت : نعم ، يا رسول اللّه ، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، وذكرت قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الآية ، فتيممت ثم صليت ، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يقل شيئا . ففهم عمرو رضي اللّه عنه أن الآية تتناول بعمومها مثل حالته ، وأقرّه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك . ثم ذكر اللّه تعالى عقوبة قاتل الأنفس ، وهي أن من يفعل ذلك المحرم - وهو قتل النفس ؛ لأن الضمير المشار إليه يعود إلى أقرب مذكور - حال كونه معتديا ظالما ، عاقبه اللّه على جرمه في الآخرة ، بإدخاله نارا شديدة الإحراق ، وذلك الإدخال هيّن سهل على اللّه ، لا يمنعه منه مانع . وقد بيّنت أن العدوان : هو الإفراط في مجاوزة الحدّ ، وأن الظلم : هو الجور ومجاوزة الحدّ أو وضع الشيء في غير موضعه . وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط . فقه الحياة أو الأحكام : دلّت الآيتان على الأحكام الشرعية الآتية : 1 - تحريم أكل الأموال بالباطل أي بغير حق ، وهو كل ما يخالف الشرع أو يؤخذ بغير عوض . وله أحوال كثيرة . وعبّر بكلمة أَمْوالَكُمْ للإشارة إلى أن مال الفرد هو مال الأمة ، مع احترام الحيازة والملكية الخاصة وإباحة التصرف بالمملوك بحرية تامة ، ما لم يكن هناك ضرر بالأمة أو بالمصلحة العامة .